النقاط الرئيسية
- لطالما تحرك الذهب والنفط الخام في الاتجاه نفسه خلال فترات التوترات الجيوسياسية، إلا أن الصراع الإيراني كسر هذه العلاقة. فقد انقلب معامل الارتباط بين الأصلين خلال آخر 90 يوماً إلى -0.51 بعدما كان متوسطه التاريخي عند +0.06. وفي حين ارتفع النفط بنسبة 24% منذ قيعان شهر يونيو، لا يزال الذهب يتداول بأقل بنحو 26% من قمته المسجلة في فبراير.
- السبب واضح؛ فارتفاع أسعار النفط يغذي توقعات التضخم بشكل مباشر، ما يدفع الاحتياطي الفيدرالي للإبقاء على أسعار الفائدة ضمن نطاق 3.50% إلى 3.75%، ويرفع العوائد الحقيقية إلى أعلى مستوياتها خلال 18 عاماً. وقد بلغ عائد سندات الخزانة الأمريكية المحمية من التضخم لأجل عشر سنوات (TIPS) مستوى 2.31%، وهو ما يشكل ضغطاً كبيراً على الذهب لا تستطيع حتى تدفقات الملاذ الآمن تعويضه.
- في المقابل، تواصل البنوك المركزية شراء الذهب بمعدل يقارب 1,000 طن سنوياً، حيث أضاف البنك المركزي البولندي وحده 64 طناً منذ بداية العام. وتوفر هذه المشتريات دعماً هيكلياً يمنع حدوث تصحيح أعمق، إلا أنها لا تزال غير كافية لمواجهة الضغوط الاقتصادية الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط والتضخم. وسيحدد مسار الصراع الإيراني، سواء عبر التهدئة أو التصعيد، أي من هاتين القوتين ستكون صاحبة الكلمة الأخيرة.
انفصال العلاقة بين الذهب والنفط
لو أخبرني أحد قبل عام بأن الولايات المتحدة ستنفذ ضربات عسكرية ليلية متتالية على إيران، وأن مضيق هرمز سيُغلق أمام حركة الشحن التجاري، وأن أسعار النفط سترتفع بنسبة 24% خلال أسبوعين فقط، لكنت توقعت أن يتجه الذهب مباشرة نحو مستوى 6,000 دولار.
لكن الواقع مختلف تماماً .فالذهب يتداول حالياً قرب 4,127 دولاراً، أي أقل بحوالي 26% من قمته المسجلة في فبراير.
وهذا الانفصال بين الذهب والنفط يُعد اليوم من أهم الظواهر في الأسواق العالمية، وهو ما سنحاول تفسيره في هذا التحليل.
يوضح الرسم البياني أدناه حركة الذهب (الشموع اليابانية) مقارنةً بخام غرب تكساس الوسيط (WTI) (الخط الأزرق) على الإطار الزمني اليومي، خلال الاثني عشر شهراً الماضية.
وأول ما يلفت الانتباه هو أن هذين الأصلين، اللذين اعتادا التحرك معاً أثناء الأزمات الجيوسياسية، انفصلت حركتهما بشكل واضح خلال عام 2026.
Chart: Gold (XAUUSD, candlesticks) vs WTI crude (USOIL, blue line), daily timeframe (TradingView)
كيف وصلنا إلى هنا؟
لنبدأ بالنظر إلى الفترة الممتدة من يوليو حتى ديسمبر 2025.
خلال تلك الأشهر، كان الذهب والنفط يتحركان في الاتجاه نفسه. فقد تراجع النفط من نحو 65 دولاراً إلى قرابة 50 دولاراً في أكتوبر، بينما انخفض الذهب من حوالي 4,200 دولار إلى 3,800 دولار خلال الفترة ذاتها.
بمعنى آخر، كانت العلاقة الإيجابية بين الأصلين لا تزال قائمة، حيث أدى تراجع شهية المخاطرة، وضعف توقعات الطلب العالمي، إلى جانب قوة الدولار الأمريكي، إلى الضغط على كلا السوقين.
لكن مع دخول ديسمبر 2025 ويناير 2026، بدأت الصورة تتغير .شهد الذهب موجة صعود استثنائية مدفوعة بعدة عوامل، أبرزها:
- تزايد توقعات خفض أسعار الفائدة.
- استمرار مشتريات البنوك المركزية.
- موجة شراء قوية في سوق العقود الآجلة مدفوعة بالمشتقات والخيارات.
وبحلول أواخر يناير، سجل الذهب أعلى مستوى تاريخي له عند 5,580 دولاراً .أما النفط، فظل يتحرك ضمن نطاق 60 إلى 62 دولاراً فقط .وكانت تلك أول إشارة على أن العلاقة التقليدية بين الذهب والنفط بدأت تتفكك.
وفي أواخر يناير، رفعت بورصة CME متطلبات الهامش على عقود الذهب من 6% إلى 8%، الأمر الذي أجبر العديد من المتداولين أصحاب المراكز ذات الرافعة المالية على تصفية مراكزهم .ونتيجة لذلك، هبط الذهب بنسبة 9% خلال يوم واحد فقط .ثم جاء تصاعد الصراع الإيراني في 27 فبراير، لتبدأ ما يمكن وصفه بـ “مفارقة الذهب“.
شرح المفارقة
لفهم ما يحدث، من المهم إدراك الآلية التي تقف خلف هذا الانفصال، لأنها تفسر لماذا لم يعد السيناريو التقليدي القائل بأن “الحروب تعني ارتفاع الذهب“ يعمل كما اعتاد المستثمرون.
فعندما ترتفع أسعار النفط نتيجة اضطرابات في جانب العرض، وليس بسبب تحسن النمو الاقتصادي، فإنها تنعكس مباشرة على معدلات التضخم .وقد سجل مؤشر أسعار المستهلك الأمريكي (CPI) لشهر يونيو 3.5% مقارنة بـ 3.8% في الشهر السابق، إلا أن هذا التراجع جاء خلال فترة وقف إطلاق النار المؤقتة، حين انخفض النفط مجدداً إلى نحو 58 دولاراً.
أما الآن، وبعد انهيار الهدنة وعودة أسعار النفط إلى حدود 85 دولاراً، فمن المرجح أن تعود معدلات التضخم إلى الارتفاع مع صدور بيانات شهر يوليو .ويعني ذلك أن الاحتياطي الفيدرالي سيبقى مضطراً للإبقاء على أسعار الفائدة بين 3.50% و3.75%.
وقد أوضح رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش أنه لا يرى مبرراً للاستعجال في خفض أسعار الفائدة، كما أن ارتفاع أسعار الطاقة مجدداً يقلل من احتمالية أي توجه نحو السياسة النقدية التيسيرية .وبالتالي، تستمر العوائد الحقيقية عند مستويات مرتفعة.
وقد بلغ عائد سندات الخزانة الأمريكية المحمية من التضخم (TIPS) لأجل عشر سنوات 2.31% الأسبوع الماضي، وهو أعلى مستوى له منذ ما يقارب 18 عاماً .وبالنسبة لأصل مثل الذهب، الذي لا يدر أي عائد، فإن الحصول على عائد حقيقي مضمون بنسبة 2.31% من السندات الحكومية الأمريكية يمثل منافساً قوياً للغاية.
لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد .فالولايات المتحدة أصبحت اليوم واحدة من أكبر الدول المصدرة للطاقة في العالم .وعندما ترتفع أسعار النفط نتيجة اضطرابات الإمدادات في الشرق الأوسط، ترتفع أيضاً عائدات صادرات الطاقة الأمريكية، وهو ما يعزز قوة الدولار الأمريكي من منظور الميزان التجاري.
ومع قوة الدولار، يتعرض الذهب لضغط إضافي، نظراً لأنه يُسعّر بالدولار الأمريكي.
وبالتالي، فإن الحدث نفسه، وهو تصاعد الصراع الإيراني، يولد قوتين متعاكستين تؤثران على الذهب في الوقت ذاته:
- من جهة، يزداد الطلب على الذهب باعتباره ملاذاً آمناً.
- ومن جهة أخرى، تؤدي العوائد الحقيقية المرتفعة وقوة الدولار إلى الضغط على أسعاره.
وفي المرحلة الحالية، تبدو الضغوط الاقتصادية الكلية هي الطرف الأقوى.
انعكاس العلاقة بين الذهب والنفط
شهد معامل الارتباط المتحرك لمدة 90 يوماً بين الذهب وخام غرب تكساس الوسيط تراجعاً إلى -0.51، في حين يبلغ متوسطه التاريخي حوالي .+0.06وبعبارة بسيطة، انتقلت العلاقة بين الأصلين من ارتباط إيجابي ضعيف إلى تحرك واضح في اتجاهين متعاكسين.
كما يبلغ حالياً معدل الذهب مقابل النفط حوالي 47 برميلاً لكل أونصة من الذهب، وهو أكثر من ضعف متوسطه التاريخي الذي يتراوح بين 15 و20 برميلاً .وهذا يشير إلى أن أحد الأصلين أصبح مقوماً بأعلى أو أقل من قيمته العادلة مقارنة بالآخر، وأن مسار الصراع الإيراني سيكون العامل الحاسم في تحديد أيهما سيعدل اتجاهه.
فإذا استمر إغلاق مضيق هرمز وارتفعت أسعار النفط إلى نطاق 90–100 دولار للبرميل، فمن المرجح أن يتسارع التضخم مجدداً، الأمر الذي قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى التفكير في رفع أسعار الفائدة مرة أخرى، وهو سيناريو سلبي بالنسبة للذهب.
أما إذا عادت الجهود الدبلوماسية إلى الواجهة خاصة بعد أن ترك وزير الخارجية الإيراني الباب مفتوحاً أمام الحوار الأسبوع الماضي فقد تتراجع أسعار النفط بشكل حاد، وتنخفض توقعات التضخم، وتعود الأسواق لتسعير احتمالات خفض أسعار الفائدة .وفي هذه الحالة، سيكون ذلك عاملاً داعماً بقوة لارتفاع الذهب.
ما الذي يمنع الذهب من الهبوط بشكل أكبر؟
ورغم كل هذه الضغوط، لا يزال هناك عامل هيكلي مهم يمنح الذهب دعماً ويحول دون تراجعه بصورة أكبر، وهو استمرار مشتريات البنوك المركزية .فعلى مدار السنوات الأربع الماضية، اشترت البنوك المركزية ما يقارب 1,000 طن من الذهب سنوياً في المتوسط، مقارنةً بحوالي 500 طن سنوياً فقط خلال العقد الذي سبق ذلك .وتُعد بولندا من أبرز المشترين، إذ أضافت 64 طناً إلى احتياطاتها منذ بداية العام، لترتفع حيازاتها إلى 614 طناً، ضمن خطتها للوصول إلى 700 طن. كما واصلت الصين زيادة احتياطاتها بإضافة 25 طناً، إلى جانب استمرار كل من أوزبكستان وكازاخستان في شراء الذهب بشكل منتظم.
لكن هذا النوع من الطلب يختلف تماماً عن طلب المستثمرين التقليديين .فالبنوك المركزية لا تشتري الذهب للمضاربة على تطورات الصراع الإيراني أو للتحوط من بيانات التضخم الشهرية، بل تهدف إلى تنويع احتياطاتها بعيداً عن الأصول المقومة بالدولار الأمريكي ضمن استراتيجية طويلة الأجل .وهذا الطلب المستمر يشكل أرضية دعم قوية لأسعار الذهب، يصعب على الضغوط الاقتصادية الدورية كسرها بسهولة .ولهذا السبب، حافظ الذهب على تداوله فوق مستوى 3,975 دولاراً، رغم تراكم العديد من العوامل السلبية خلال الأشهر الأخيرة.
وفي الواقع، فإن الصراع الحالي بين هاتين القوتين هو ما يجعل الذهب من أكثر الأصول إثارة للاهتمام في الأسواق حالياً.فمن جهة، تضغط العوائد الحقيقية المرتفعة على الأسعار، بينما توفر مشتريات البنوك المركزية دعماً هيكلياً مستمراً.وهذا التوازن هو ما يفسر التحركات العرضية والمتقلبة التي يشهدها الذهب منذ شهر أبريل، إذ لم يتمكن أي من الطرفين حتى الآن من فرض اتجاه واضح ومستدام على السوق.
ما الذي أراقبه حالياً؟
برأيي، المتغير الأكثر أهمية في الوقت الحالي ليس سعر الذهب أو النفط بحد ذاته، وإنما عائد سندات الخزانة الأمريكية المحمية من التضخم (TIPS) لأجل عشر سنوات.فإذا ارتفعت العوائد الحقيقية فوق مستوى 2.40%، فمن المرجح أن يتراجع الذهب مجدداً نحو منطقة 3,800 – 3,900 دولار، بغض النظر عن حجم مشتريات البنوك المركزية.
أما إذا بدأت هذه العوائد في الانخفاض باتجاه 2.00% وهو سيناريو قد يتطلب انفراجاً دبلوماسياً في الشرق الأوسط أو تباطؤاً واضحاً في البيانات الاقتصادية الأمريكية فسيكون لدى الذهب فرصة للتعافي نحو 4,400 – 4,500 دولار، قبل أن يواجه منطقة المقاومة الرئيسية التالية.
تحذير من المخاطر:
ينطوي تداول الأدوات المالية، ولا سيما تلك التي تستخدم الرافعة المالية، على مستوى عالٍ من المخاطر، وقد لا يكون مناسباً لجميع المستثمرين. وقد ترتفع أو تنخفض قيمة استثماراتك بشكل حاد، ومن الممكن أن تخسر كامل رأس المال المستثمر. لذا، لا تتداول بأموال لا يمكنك تحمل خسارتها.
ولا ينبغي اعتبار أي محتوى منشور على هذا الموقع توصية أو مشورة استثمارية مقدمة من توركس أو أي من شركاتها التابعة أو مديريها أو مسؤوليها أو موظفيها.
